حيدر حب الله
30
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
بل إنّ محدودية الفقه الإمامي القديم من حيث حجم مسائله يجعل الكثير من المسائل الفقهيّة ممّا لا يعلم الموقف منه عند القدماء ؛ حيث لم تطرح في أوساطهم أو طرحت بشكلٍ لم يعلم ما هي طبيعة أدلّتهم على هذا الرأي أو ذاك بشكل يكون محدّداً وواضحاً بالنسبة إلينا . والأمر أوضح في الروايات غير الفقهيّة ، فلا نطيل . ب - أن تصل إلينا فتاواهم وعملهم بالرواية ؛ لكن لا تتشكّل شهرةٌ ، ففي بعض الموضوعات يحصل انقسامٌ في الرأي بين الفقهاء ، فلا تتكوّن شهرةٌ غالبة لرأي دون آخر ، الأمر الذي يلغي إمكانية وجود شهرة عملية من الناحية الميدانيّة ، حتى تعتمد بوصفها المعيار الوحيد في قبول الأخبار . ج - أن تصل الفتاوى وتحصل الشهرة ، ويعتمدُ فريقٌ على هذه الرواية أو تلك ؛ لكنّ انقسام الرأي - حتى مع حصول شهرة - يمنع عن تكوّن الشهرة العملية الجابرة لضعف السند أو الموهنة لصحّته وسلامته ؛ إذ في بعض الأحيان يكون هناك رأي مشهور في مقابله رأي أشهر ؛ فلا توجد شهرةٌ في مقابلها نُدرة حتى يحصل الجبر أو الوهن ، بل رأيان قويّان متداولان جداً ، غايته أنّ أحدهما أكثر تداولًا من الآخر ، وهذا لا يحقّق شهرةً عملية كما هو واضح . وعليه ، ففي هذه الحالات الثلاث - وتطبيقاتها ليست بالقليلة - نظلّ بحاجةٍ إلى مساعدة علم الرجال ؛ لمدّنا بمزيد من المعلومات المفيدة في اعتبار الخبر وعدمه بعد أن تهاوى من بين أيدينا المعيار الأساس ، وهو الشهرة العمليّة الجابرة أو الموهنة « 1 » ، إلا إذا قال متحمّسٌ لهذا الاتجاه بأنّه مع فقد عنصر الاستناد يسقط الخبر عن الحجيّة من رأس ، حتى لو كان الراوي ثقةً أو عدلًا ، ففي هذه الحال يتضاءل حضور علم الرجال حدّاً كبيراً ، فلاحظ ذلك .
--> ( 1 ) أبو القاسم الخوئي ، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الراوة 1 : 5 ، المقدّمة .